قاسم السامرائي
217
علم الاكتناة العربي الإسلامي
قلنا : إن الخط ظاهرة حضارية لا تختلف عن غيرها من الظواهر الفنية التي تتطور وتتجدد بل قد تسوء وتضمحل تبعا للتطور الحضاري لأية أمة من الأمم . ومن هنا تطور الخط العربي في الحواضر الإسلامية واكتسب مسميات مختلفة حسب القطر وحسب العصر فاختفت أنماط كثيرة وبقيت أنماط وتطورت من كل ذلك أنماط اكتسبت مسميات اختلفت باختلاف العصور ، حتى استقرت الأنماط المعروفة اليوم وهي : النسخ والرقعة والتعليق والنستعليق والشكستة والديواني والثلث ثم الكوفي ، واجتهد شيوخ الخط في تقعيد قواعده ، وتثبيت أصوله التي نقلها الخلف عن السلف . بيد أنّ الخطاطين في العصر الحاضر ، ابتدعوا أنماطا هجينة عجيبة غريبة اختلطت فيها الأنماط ، حتى في الكلمة الواحدة اختلاطا مؤلما لأنّ أكثرهم لم يعن بالتعلم والأخذ عن شيوخ الخط حتى يصقل موهبته بل سارع إلى فتح مكتب تجاري أو حانوت للخط ليتعيش من موهبته الفجة ، فأساء إلى الخط وأهله . وهنا لا بدّ لي من كلمة توضيحية وهي : أن كل كاتب ليس بالضرورة خطاطا ، فإن بعض الناس أوتوا موهبة فيه ، وبعضهم عاطل عن هذه الموهبة ، وهذه ظاهرة فنية لا تخلو منها جماعة من البشر ، شأنها في هذا شأن الرسم والشعر والخطابة وما إلى ذلك ، وإلا كان كل البشر رسامين أو شعراء أو خطباء أو خطاطين ، فإن الإنسان ميسر لما خلق له ؛ وقد يبرز فرد أو أفراد في هذه الصنعة أو تلك فيبزّون غيرهم ويستنبطون مما لديهم نمطا جديدا يضاف إليهم ويلصق باسمهم وإلا فإن ابن مقلة أو ابن البواب لم يبزوا كتّاب عصرهم إلا لأنهم طوروا ما جاءهم حسّنوا ما وجدوه من الخط ، وقعّدوا له القواعد فقيل : طريقة ابن مقلة وطريقة ابن البواب ، ونسبوا طرائقهم إليهم فقالوا : فلان يكتب الخط المنسوب ، كما قيل في نسبة العروض للخليل بن أحمد الفراهيدي .